حبيب الله الهاشمي الخوئي

42

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

منه للزم تقديم المفضول على الأفضل وهل يرتضى العقل بذلك أرأيت أنّ العقلاء لا يذّمون من رجّح المفضول على الفاضل وهل تقدّم أنت مبتدأ في فنّ على من مارسه وتبحّر فيه وهل يجوّز عقلك ويرضي بان اللَّه الحكيم يقدّم المفضول المحتاج إلى التكميل على الفاضل المكمّل جرّد نفسك عن العصبيّة والمراء وتقليد الأمهات والاباء فانظر بنور البصيرة والحجى في كلامه تعالى * ( « قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ » ) * ولما كان المطلوب من إرسال الرسل وانزال الكتب ونصب الحجج تعليم النّاس الحكمة وتزكيتهم من الأرجاس واقبالهم إلى عالم القدس فأىّ مصلحة يقتضيها التكليف في تقديم المفضول على الأفضل أليس هذا العمل نفسه بقبيح وهل القبيح إلَّا ما فيه مفسدة أرأيت هل قدّم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وغيره من الأنبياء والكملين وأولى النهى والملوك والأمراء مفضولا على فاضل في واقعة قطَّ ولو فعل واحد ذلك أما يلومه العقلاء هل تجد خبرا ورواية أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قدّم على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام غيره ، وهل قدّم على سلمان سلام اللَّه عليه عثمان بن مظعون مثلا ونعلم أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لمّا نعيت إليه نفسه أمر اسامة على أبي بكر وعمر وحث على خروج الكلّ من المدينة ولعن المتخلف عن جيش اسامة فكان اسامة في أمر الحرب وسياسة الجند وتدبير العسكر أفضل منهما وإلَّا لما قدّمه عليهما ولو كان بالفرض عليّ عليه السّلام معهم هل يقدّم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله اسامة على عليّ عليه السّلام ما أرى مسلما بصيرا في عليّ عليه السّلام وأسامة أن يرضى بذلك بل يعده قبيحا جدّا فانّه لا يشك ذو بصيرة ودراية في أنّ أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام كان بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس ونسبته إليهم كنسبة النور إلى الظلمات ونسبة الحياة إلى الممات فتشهد الفطرة السليمة على قبح تقديم المفضول على الفاضل . ثمّ لو كان الإمام عاصيا عن أمر اللَّه تعالى ومذنبا سواء كانت الذنوب صغيرة أو كبيرة فنقول أوّلا انّه لما كانت العلة المحوجة إلى الإمام هي ردّ الظالم عن ظلمه والانتصاف للمظلوم منه وحمل الرعيّة على ما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه مفاسدهم ونظم الشمل وجمع الكلمة فلو كان مخطئا مذنبا لاحتاج إلى آخر يردعه عن ظلمه